القائمة الرئيسية

الصفحات

دراهم الكتابة.... وباعة الأدب الزائف!

 



اتفق أن فلانا عانى وهو يكتب روايته الأولى. لقد تقمص الشخصيات حتى إنه اقتُرح عليه أن يزور طبيبا نفسيا؛ حيث تملكته إحدى الشخصيات المكتئبة في الرواية، فغدا حزينا جدا...!  وما أن فرغ منها حتى شعر بالزهو بنفسه، لقد سكب مشاعره كلها في رواية واحدة، هي روايته الأولى، إنها عنوان المجد. لسان حاله: أيتها الشهرة أنا قادم فاستعدي لاستقبالي!

خفَتَ هذا الزهو قليلا، حين ردت عليه أولى دور النشر، التي قصدها بعدم رغبتها في نشر روايته، لكنه أصر أنها تستحق النشر، وستروق القراء، وتنتشر انتشارا واسعا، بل وفي مدة وجيزة... قصد الكثير من دور النشر، وكان الجواب هو الرفض دوما... كان يحفز نفسه بأن هذا سببه عدم تذوق هؤلاء الرأسماليين للأدب، إن الرأسماليين عديمو الأحاسيس، أو لكانوا بَكَوا مع بطل روايته حين رأى محبوبته تموت غرقا وهو لا يجيد السباحة، ولانتشوا حين علموا أن هذا البطل، صار بطلا عالميا في السباحة، والملاكمة، والتنس، ومصارعة الثيران، الأخيرة كانت خشية أن يداهم حبيبته المستقبلية ثور في البادية التي يقطن فيها...  حقا هم عديمو الأحاسيس! أو لكانوا اهتبلوا الفرصة التي لا تعوض، وهي نشر رواية عنوانها بديع فريد لم يسبق أن خطته يد إنسان، ولم يخطر على بال الجان، الأخيرة أشك فيها، بصراحة لا أعلم، فحتى صاحب هذا العنوان الفريد غير متيقن من هذا!


وأخيرا وافقت دار نشر افتتحت حديثا على نشر هذه الرواية العظيمة، في عين صاحبها، وقرائه العظماء أيضا فيما بعد. وحدث أن دار النشر أحسنت التوزيع والإشهار، وبذلت في ذلك الكثير حتى تستطيع منافسة الدور العريقة في الميدان. فبيعت من الرواية الألف نسخة، تلتها ألفان ... وهكذا تتابع الطلب على الرواية العجيبة... وصاحبنا يدعى مرارا لتلبية توقيع روايته اليتيمة في المعارض... وما مضت إلا فترة قليلة حتى راسلته دار النشر تلك أن يكتب رواية أخرى تتكفل هي بالنشر
!
وافق صاحبنا مزهوا بنفسه، فاسمه غدا على رواية بيعت منها آلاف النسخ، وحقق من ورائها دخلا لا بأس به.
صار يقول في نفسه: طريق الشهرة غدا يسيرا، فقط الكسالى هم الذين لا يستطيعون المشي فيه، أما العظماء أمثالي فمن حقهم الافتخار بأنفسهم.. لو لم أكن كاتبا عظيما لما لاقت الرواية كل هذا القبول والاستحسان، ولما طلب مني أن أكتب المزيد...
بما أني صرت مشهورا، فلا يهم أن أبتئس وأكتئب حتى أكتب شيئا ذا معنى، القراء صاروا على معرفة بي، وهم يزدادون يوما بعد يوم... والتعليقات في الفيس بوك ورسائل الانستغرام تشهد بهذا، هم يريدون المزيد مما أكتب، وأنا حقا أريد المزيد من القراء!
لا عمل شاق بعد اليوم، سأجلس إلى هذه الطاولة التي اقتنيتها من أرباح الرواية، وهذا الكرسي الدوار الناعم، وأقوم بفتح جهاز الكمبيوتر الخاص بي، ثم أبدأ في التدوين... إن الكتابة أمر مريح حقا!!
ما العنوان الذي أختاره لروايتي الثانية!!!؟؟


هكذا هم بعض الكتاب، بل كثير من الكتاب، يكتبون عملا إبداعيا _هذا إن كان يستحق هذا الوصف (على أي، كل قارئ وما يستهويه)_، يلاقي قَبولا، فيتذوقون دراهم الكتابة فيروقهم أن يفتتحوا متجرا في سوق بيع الإبداع الوهمي، أو الأدب الزائف!

إن الكتابة رسالة حياتية، ينبغي أن يحرص الكاتب من خلالها أن يقدم الشيء النافع لقرائه، الذين ائتمنوه على عقولهم.
وأنتم أيها القَرأَة لا تصدقوا من يقول لكم، إن الكتابة لا تدر أموالا على صاحبها، حتى في عالمنا العربي يحقق الكاتب دخلا من كتابته، طبعا لا يقاس بنظيره الأمريكي أو الأوروبي، ولكنه دخل في النهاية.
يقول بعضهم إنهم لا هم لهم إلا أن يروا الشباب العربي يقبل على القراءة، ثم يكتبون كتابا يحفز على القراءة، والكتابة أيضا، ويبيعونه بسعر باهظ!! ومن العجيب أن تجده يقول بين دفتي كتابه ذاك ما مفاده: إننا لا نسعى للربح، وإنما لإخباركم أعزائي بضرورة القراءة وأهميتها ولتحبيبها لكم، فكلما أخبرناكم بمحاسنها ازددتم شوقا لها...!
وإن سئلوا أو طُلب منهم أن يمكنوا منه قراءهم إلكترونيا، عدوا ذلك استغلالا لموهبتهم الفذة، وسرقة لجهد الأيام وسهر الليالي الطويلة، المنفَقة في تأليفه!
ثم ما هي إلا صفحات حتى يعيبوا هذا التدني الذي احتلته القراءة، فالناس لا يقبلون على شراء الكتب، وإنما يقرأون الكتب الالكترونية، لأنها بالمجان!!
صديقي الكاتب ألست قلت إن ما يعنيك هو أن يعي الناس لا أن تغتني بابتياعهم كتبك؟!
عشر دولارات أو عشرون، لا تشكل ثمنا باهظا بالنسبة للغربيين، ولكنها في العالم العربي مكلفة حقا!
ولهذا تكون القراءة هوايةَ الأغنياءِ، والفقراءِ المحبين لها صدقا.
في الأخير، يحقق الكَتَبة دخلا لا بأس به من وراء الكتابة (لا يمكن المقارنة بين أي أمرين عندنا نحن العرب وعند الغربيين، بيننا بون شاسع في جميع المجالات). حتى وإن كان النصيب الأكبر من هذا الدخل تستحوذ عليه دور النشر.
ولك أن تتساءل لم يطبع فلان كتابه عند تلك الدار وكتابه الآخر عند أخرى!!
تحقيق الربح من الكتابة لا أقول إنه هو الغرض الوحيد لدى جميع الكتاب، ولكني أجزم أن كل الكتاب المعاصرين يحققون الربح من كتاباتهم.
تتعدد مقاصد الكتابة، ولكن الربح من ورائها حاضر دوما كمقصد، وإن كان ثانويا.
الغربيون الذين يحفزون غيرهم إلى تحقيق الحرية المالية يضعون من بين الأمور التي تحقق دخلا إضافيا: الملكية الفكرية. والكتابة على رأسها.
لست هنا أعيب على الكتاب تفجعهم على تدني عدد القراء العرب، ولا على انتقادهم اللاذع لدور النشر التي تجبي خراجها من أسلات أقلامهم (الكُتاب)، ولا رُنوهم لمزيد ربح من مبيعات كتبهم... كلا. إنما أعيب على الكتاب، أنهم إذا صاروا مشهورين، لم يعد يهمهم إلا عدد مؤلفاتهم، لا ما تحمله... ببساطة لأن القارئ عندما يرى اسم فلان على مؤلف فإنه يقول في نفسه: هو ذا للمبدع، حتى إذا ما اختلى به، وفض بكارته، تأسف على الدراهم التي أنفقها عليه!
فراعوا للتأليف حرمته رحمكم الله.

تعليقات

التنقل السريع