القائمة الرئيسية

الصفحات

أدب الفقر: هل يمكن أن يغير نظرتنا إلى الحياة؟

 



كيف يزرع فينا الأدب العربي أن الفقر فضيلة وأن الغنى رذيلة؟ وأن السعادة مرتبطة بالتقلل من الدنيا وأن الشقاء في وفرة المال؟ وكيف نتوهم أن الأغنياء لا يعرفون الحب ولا الإخلاص وأن الفقراء وحدهم هم المحبون و الأوفياء الخلص؟؟ و كيف تؤثر علينا مثل هذه القراءات؟

رواية الفضيلة للمنفلوطي انموذجا.

قبل أيام وأنا أتصفح فيسبوك طالعني منشور وتحته صورة لطعام يجتمع حوله عمال البناء، ومفاد المقال أن ناشره يشكر الفقراء ويمتدحهم على كرمهم حيث يقدمون لهم الطعام إذا اشتغلوا عندهم (دائما)، في حين أن الأغنياء لا يقدمون لهم لا وجبة غذاء، ولا وجبة بينية إكراما، ولذلك يصفهم بأنهم أشحة بخلاء؟

خلاصة ما يقال في هذا إن هذا الطعام غير متفق عليه قِبلا، والتعريض بأن أقواما (فقراء) يضيّفونهم إكراما، وأقواما (أغنياء) لا يقدمون لهم أي ضيافة، هو من باب قلة المروءة، لأن فيه تعريضا بطلب الطعام. وهذا مرجعه إلى العقلية التي ينظر به كل فريق إلى ذلك الطعام المقدم، الأول يعتبره كرما، والثاني قد يعتبره إهانة؛ لأن الثري يرى أنه يهين الشخص إن أعطاه ما لا يستحق، والعامل وإن كان فقيرا، إلا أن له ساعدا يعينه على الكسب والإنفاق على نفسه.

أريد مراجعة الرواية وأرى الأفكار في رأسي تتمايل من جهة إلى أخرى.

ربما لم يسبق لأحد حسب اطلاعي المتواضع أن تناول هذه الفكرة بالدراسة، وهذه دعوة للمهتمين من رواد التنمية والساعين نحو الإصلاح، أن ينتهجوا في كتاباتهم منهجا آخر مغايرا لما ظل سائدا لقرون ومخالفا لما ترسخ في عقول العامة، من أن الغنى كبرى الرذائل ونصب واحتيال وأن الفقر زينة وزهد ودلالة إيمان؛ ذلك أن الأفكار التي نقرؤها هي التي تشكل حياتنا في الأخير، فالفكرة يعقبها الاقتناع بها ثم تتحول إلى سلوك عملي فعادة نستمر عليها ونورثها لمن يخلفنا.

استوقفتني بعض الفقرات في الرواية ربما أنقل بعضها حتى يرى القارئ أني لا أفهم منها إلا ما يفهمه كل قارئ، يقول "بول" أحد الشخصيات الرئيسة في الرواية، وقد أشار عليه "الشيخ"، وهو راوي القصة، باتخاذ سبيل التجارة سبيل رزق، : "وأية حاجة بنا إلى المال الكثير ونحن والحمد لله في سعة من العيش لا نشكو جوعا، ولاظمأ، ولا ضيقا، ولا ضجرا، ولا نطلب لأنفسنا منزلة في الحياة فوق المنزلة التي نحن فيها؟ ولا أكتمك يا سيدي أنني أخاف المال وأخشاه خشية شديدة، وأقشعر من ذكره كلما سمعت به، وأعتقد أننا لا نزال سعداء في هذه الحياة ما دمنا بعيدين عنه، وعن التفكير فيه. فإن قدر لنا يوما أن نشقى فيها، فإنما شقاؤنا يكون على يده وبشؤم طالعه. فلنتمتع بالسعادة التي قسم الله لنا، ولا نَجْنِ على أنفسنا بالتكليف والمحاولة وركوب الطريق الهوجاء التي لا نعرفها، ولا نعرف غايتها، ولا منتهاها..." ثم يقول الراوي تعقيبا: "فوقفت بين يدي هذه الكلمات الحكيمة المملوءة شرفا وفضيلة موقف الجمود والصمت..."

لا أريد أن أحيد عن الموضوع الرئيس الذي عقدت لأجله العزم من أجل كتابة هذا، ولكن من باب الاستطراد أريد أن أوضح للقارئ الكريم التناقض الذي يبثه فينا الأدب ونحن في غفلة عنه. بول هذا شخص فقير وحبيبته فرجيني الفقيرة أيضا ستتخلى عنه لتذهب إلى قريبتها الغنية من أجل أن توصي لها بتركتها الضخمة، ووعدت العائلة ككل أن تأتي بالثروة من أجل تحسين حياتهم للأفضل وقالت لبول أنها لا تريد الذهاب إلا من أجله.

وإن حصل وماتت العمة الهرمة الشريرة التي ليس في قلبها شفقة ولا رحمة وأوصت لفرجيني بالمال عادت به فأسعدت الجميع...

ربما سأنجر للاستطراد أكثر، لا ننس أن الكاتب صور حياة فرجيني في قصر عمتها بأنها شقية وبائسة وحزينة وأن كل حياة المترفين متكلفة مصطنعة مليئة بالنفاق.

إذن الكاتب يناقض نفسه من حيث المبدأ، حيث يصعب على الإنسان أن يتخذ موقفا سيئا من المال، إنه عصب الحياة، فلم يتقلل منه المرء؟

نعم في الدين لدينا ضوابط وقواعد وأولويات، والمال وسيلة لا غاية، ولا يشرع لأحد أن يأخذه إلا مما أحله الله من تجارة أو إجارة أو غنيمة أو ركاز أو هبة أو صدقة ... إلى غير ذلك من وجوه الحلال، ويحرم على المرء أن يكسبه من الطرق التي حرمها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كالربا والرشوة والاتجار بالمحرمات وسائر وجوه أكل أموال الناس بالباطل.

إن للمال أهمية كبيرة، وذلك ملحوظ لمن قرأ القرآن واطلع على صحيح أخبار المختار عليه الصلاة والسلام.

"ولا أكتمك يا سيدي أنني أخاف المال وأخشاه خشية شديدة، وأقشعر من ذكره كلما سمعت به، وأعتقد أننا لا نزال سعداء في هذه الحياة ما دمنا بعيدين عنه، وعن التفكير فيه."

إن هذه العبارة وحدها تحتاج إلى رد مطول، ولكن اختصارا، المال شيء مادي، والسعادة والشقاء أمر وجداني شعوري. لو أردنا أن ننظر نسبة السعداء وغير السعداء من الناس الأغنياء والفقراء ارتباطا بالمال فقط، لكان المال مصدر السعادة. حيث إن السعادة شعور بالسرور وقضاء الحاجيات والكماليات فضلا عن الضروريات، فأي الفريقين أحق بالسعادة إن كنتم صادقين؟

تعليقات

التنقل السريع